الامية الفتاكة في الوطن العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الامية الفتاكة في الوطن العربي

مُساهمة  Admin في الجمعة يوليو 25, 2008 5:42 pm

العالم العربي والأمية الثقافية.

يسيطر على معظم الكتابات والبحوث والدراسات في الصحافة العربية طابع اللاواقعية والتحليق في فضاءات واسعة ، والمزيد من إثارة العواطف وإلهاب المشاعر والأحاسيس حول العديد من القضايا الراهنة الساخنة منها والباردة على حدٍ سواء ، إلا أن هذه الكتابات قليلة الاهتمام بمناطق الجرح الأساسية في الجسم العربي ، ومناخات السلبية في الحالة العربية ، لتفحَص وتمعَن عمق هذا الجرح ، ومن ثم التفكير في علاجه والوصول إلى أسس واقعية موضوعية لإمكانية تلا في هذا المرض واستئصال جرثومته حتى لا تعود مرة أخرى لتعيث فساداً وتخريباً في هذا الجسم ، ولعل الأمر الذي دعا كاتب السطور إلى كتابة هذه المقدمة بعض الملامح والاشارات والأرقام المنشورة في الصحافة العربية ، والتي تبين حجم الأمية الثقافية المنتشرة في العالم العربي ، ومدى خطورة ذلك على نهضة وتنمية هذا العالم في ظل ثورة تكنولوجية عولمية متماوجة وهائلة تتطلب جهوداً وإمكانات أكبر مما هي عليه في حقيقة الحال ، وهذه الأمية تتجسد من خلال الابتعاد عن القراءة وبالتالي ضعف المعلومات الثقافية ، على النقيض من أمور أخرى لا علاقة مباشرة لها بالثقافة ( إذ تحظى باهتمام شريحة واسعة من الشباب العربي ) كالولع بنجوم الرياضة والسينما والتليفزيون والفيديو ...ألخ - وفي إشارة واضحة عن تدني مستوى الاهتمام بالثقافة في العالم العربي ما كتبه الاستاذ عبد الله حمدان رئيس تحرير مجلة " عمان " الأردنية في افتتاحية العدد ( 16 ) تموز 2000 م عن هذه الظاهرة إذ يقول : " غير أن أحد الأصدقاء ممن يعملون في تحرير الصفحاتالثقافية تساءل بمرارة وحزن شديدين تجاه هذه الظاهرة التي نشهد حيثياتها يومياً : ألا يستحق الفعل الثقافي ولو جزءًا من هذا الاهتمام ... ؟ " ويضيف : " نحن ننشر شهرياً في باب الإصدارات لعشرات من الكتب الجديدة في مجالات الشعرو القصة والرواية والمسرح والفنون التشكيلية ولكتاب بارزين من داخل الوطن وخارجه ولكننا – مع الأسف – لم نتلق يوماً اتصالاً هاتفياً من قارئ أو مثقف للاستفسار عن عنوان الكاتب وعما إذا كان متوفراً في الأسواق "- وكانت مجلة الوسط اللندنية قد أوردت في عددها رقم 400 الصادر في 27 سبتمبر أيلول 1999 م خبراً عن التحقيق الثقافي الذي قامت به مجلة " تشرين الإسبوعي " السورية الذي شمل عينة من طلاب جامعة دمشق حول المستوى الثقافي للطلاب ، وكانت نتائج التحقيق كما تقول الوسط مقلقة تستدعي التفكير والتصرف قبل فوات الأوان.

فقد كشف الاستطلاع أن معظم الطلاب لا يقرؤون الصحف المحلية مطلقاً ، في حين بلغ متوسط ساعات الجلوس أمام التلفاز 6 ساعات يومياً ، وكشفت الأسئلة التي تتعلق بالشخصيات العامة عن جهل الطلبة بأسماء شخصيات لها دور وطني بارز، فمثلاً عرف الكثيرون المفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي على أنه صحافي مصري ،
وسعد زغلول بأنه شاعر سوري والشاعر التشيلي بابلوينرودا بأنه أديب مغربي وهكذا.

ولكن الأمر اختلف عند ما تعلق السؤال بمسألة تلفزيونية أو سينمائية ، إذ تم السؤال عن جنسية الممثلة الأمريكية " شارون ستون" وعن فلم "غريرة أساسية " كأشهر أفلامها إذ كانت أجوبة أكثر الطلاب صحيحة ، وأنحى الطلاب باللائمة على أساتذتهم في الجامعة وعن مسؤوليتهم في أنهم يلقنونهم معلومات غير صحيحة تدل على
جهلهم بالحقائق التاريخية ، وأعطى أحدهم مثالاً باستاذه الذي لا يعرف أن سورية استقلت عام 1946م.

وفي مصر تقدم لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري أكثر من ( 2000 ) من خريجي الجامعات للعمل مذيعين ومترجمين ومحررين ، ولم ينجح واحد منهم في الاختبار رغم أن الأسئلة كانت تدور حول المعلومات العامة فإن إجاباتهم حملت العجب العجاب منها أن انجلترا عاصمة بريطانيا ومنابع نهر النيل تبدأ من دلتا مصر والسد
العالي أنشئ بعد حرب أكتوبر 1973 ، تركيا دولة عربية ونجيب محفوظ من رواد الواقعية في السينما المصرية .

أما في الكويت فالأمر لا يختلف كثيراً حيث أجرت صحفية الرأي العام الكويتية استطلاعاً على مجموعة من الشباب لقياس مستوى ثقافتهم فتبين أن لديهم معلومات جيدة عن الممثلين واللاعبين وعروض الأزياء والموضة ، وبسؤالهم عن كوفي عنان اعتبره59 بالمئة من العينة حارس مرمى منتخب الكاميرون ، وبعضهم اعتبره منظراً
شيوعياً ، بينما لم يتعرف على عمله الحقيقي كأمين عام للأمم المتحدة سوى 23 بالمئة ، أما روجيه غار ودي فأجاب 16 بالمئة من أفراد العينة أنه لاعب في منتخب فرنسا 1998 م ، بينما لم يتعرف عليه سوى 23 بالمئة من الشباب ، أما الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس فقد اعتبرته الأغلبية أنه شقيق الممثل الكوميدي إسماعيل ياسين
كل هذه الإجابات تثير الضحك والسخرية بقدر ما تثير الحزن والأسف ولقد أصاب كبد الحقيقة ذلك الذي قال بأن هناك ثمة أشياء هي في حقيقتها حزينة ولكنها تثير الضحك ، وهناك أشياء أخرى هي في حقيقتها مفرحة ولكنها تثير الحزن إن المسألة تكمن في العزوف عن القراءة والابتعاد عن الاهتمام بالمعلومات الثقافية والاهتمام الأقصى بنجوم الرقص والتدخين واللعب والمرح .....

إنتاج التخلف بسبب غياب العنصر الثقافي

إن نتيجة التحقيقات والاستطلاعات والاختبارات المذكورة في الفقرة السابقة تعود في أسبابها وعواملها إلى عدة أمور منها :

الطابع البيرو وقرطي لإدارة العملية التعليمية ،جمود المناهج التعليمية ، أساليب التدريس والتقويم القائمة على الحفظ والتلقين كما مر معنا – وعدم الخروج عن النص أو " النصية " ولكن في مقدمة هذه الأسباب أن نظام التعليم السائد منذ عقود في بلادنا قد أبعد الثقافة بكل فروعها عن المدرسة والجامعة والمعهد ومن ثم تراكم لدينا قطاع واسع من المتعلمين كخريجين أصبحوا بؤرة لإعادة إنتاج تخلفنا الثقافي ....

إن النهج السائد في إبعاد التنمية الثقافية عن بناء الإنسان في مراحل تعليمه الأساسي قد أدى إلى المزيد من تدهور الوضع الثقافي بعامة في عالمنا العربي ، إذ تراجع الكتاب ودوره في البناء التربوي ، وضاقت الحرية أمام المسرح والموسيقى والسينما والفنون الأخرى كلها مع زيادة السكان وتنامي في أعداد الجماهير المتلقية التي تربطها بالثقافة وإبداعاتها وتأثيراتها الحقة أوهى الصلات ، فنمت في أوساطها بالمقابل قيم التقليد الأجوف لكل ما هو أجنبي وتسيدت عادات الارتجال والخفة واللامبالاة في مواجهة أمور الحياة ومتطلباتها الآنية والمستقبلية الثقافة والتعليم علاقة جدلية : الحقيقة أن هناك ارتباط لا ينفصم عراه بين التعليم أوالثقافة إذ يمكن التأكيد على أن الثقافة ترتبط بصيغة حاسمة بنشاطي التعليم والتكوين ، حيث لا يمكن تحصيل الثقافة بمختلف مكوناتها وألوانها وأبعادها الابوا سطتها أو يمكن التعبير عنه بأن التعليم جسر ضروري للوصول إلى حقل الثقافة ، ولذلك بات من الضروري على مدارسنا في العالم العربي أن تجمع في تكوينها للطلاب والتلاميذ بين عدة كفايات تربوية تعليمية وتكوينية وثقافيا ، ومهنية ، وبذلك تستطيع مؤسساتنا تأهيل متعلمينا للدخول في الرهانات الضرورية لتدعيم أسس التنمية العربية المستديمة .

إن القراءة التي نتحدث عنها هي القراءة بمعناها العام والشامل ، فهي لا تقتصر على ذلك النشاط المرتبط بالمقررات والمناهج الدراسية ، بل تتعداها إلى استهلاك كل أنواع المقروء المفيد في تكوين وتثقيف طلابنا ، والقراءة في الحقيقة هي عبارة عن ولع فعال ، ونشاط خاص ، وموهبة سامية ، وهي كذلك مهارة تجعل الفرد
القارئ يعمل على إدراك محتوى نص مكتوب بناء على عمليتي التأويل والفهم ، وبعبارة مبسطة إن القراءة هي تحليل الكلام الذي يوجد بثنايا النص .

ومادمنا نتحدث عن القراءة يمكن الإشارة إلى تقرير لمنظمة اليونسكو يفيد بأن " الفرد العربي يقرأ أقل مما يقرأ الفرد الياباني ب144 مرة الشيء الذي يعني أن مليونين من اليابانيين يقرؤون بقدر ما يقرؤه – أو حتى بأكثر مما يقرؤه / 260 / مليوناً من العرب".

مقترحات وإجراءات لحل المشكلة

باعتبار أن الحالة الموجودة حالياً في العالم العربي فيما يتعلق بعلاقة الثقافة بالتعليم غير طبيعة ويشوبها الخلل واللاتوازن إذن لابد هنا من إبداء مجموعة من الاقتراحات والإجراءات لحل هذه الإشكالية .

1- مراجعة النظم التربوية الحالية من منظور توفر رؤية تكاملية بين المحتوى العلمي للنشاط المدرسي وروافد التثقيف الأخرى كإدخال دراسات ومواد ثقافية وفنية نوعية مختلفة ضمن مناهج التدريس بما يتناسب مع المراحل السنية للمتعلمين ، وإدخال النشاط الفني كالمسرح والموسيقى والتشكيل والأدب ضمن الأنشطة التعليمية الرسمية " تخصيص حصة واحدة في الأسبوع تحت عنوان " مطالعة حرة " لمطالعة الكتب والمجلات للإطلاع على كنوز المعرفة والثقافة لتطوير مدارك الطفل أو الشاب المعرفية والثقافية .

2- إصدار ملاحق شهرية أو فصلية أو سنوية لمتابعة التطورات التكنولوجية والثقافية العالمية لمواكبتها وعدم حصول " الاغتراب المعلومي " في عصر المعلوماتية والاتصالات الذي يتسم في اطراد التطورات التكنولوجيا والمعلوماتية الهائلة يستطيع الطالب من خلال هذه الملاحق متابعة المستجدات العلمية عالمياً .

3- توجيه الطلاب للاستماع إلى محاضرات ثقافية وتعليمية وإقامة المعارض الفنية للطلاب أنفسهم أو لبعض فناني البلد والاشتراك في رحلات لزيارة المواقع والأماكن الأثرية والسياحية الهامة في البلد أو إلى أي بلد عربي آخر .

4- على التربية العربية أن تنتقل من مرحلة الجمود المعلوماتي الأكاديمي إلى مرحلة تنشئة الطالب تنشئة نفسية سليمة ، وتعليمه قيم المسؤولية والنزاهة والاستقامة والتعاون والصدق والشجاعة والمروءة ، وكذلك القيم المتعلقة بالديمقراطية التي تمثل اليوم صرخة العصر والشغل الشاغل للسياسيين والمفكرين .

5- تغيير محتوى الأنظمة التعليمية والمناهج بحيث تدعم الثقافة والابتكار بدلاً من الحفظ والتلقين .

6- عدم استيراد نماذج غريبة عن المجتمع،لأن ما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لمجتمع آخر وفي حالة الاستيراد يؤخذ بالاعتبار ظروف وأوضاع واحتياجات وميول ورغبات وواقع المجتمع الذي نعيش فيه ، والقيام بتكييف تلك النماذج مع الواقع والظروف العيانية الملموسة في المجتمع المعني .

7- إطلاق حرية الأفكار وخلق أجواء مريحة لانتعاش الثقافة إذ لا تطور ثقافي من دون مناخ ديمقراطي .

8- ربط الجامعات بالمجتمع واحتياجاته المتعددة بشكل وثيق .

9- تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين فبدون ذلك لا يمكن للثقافة أن تتطور أو تزدهر .

وختاماً أعتقد أن موضوع " الأمية الثقافية " سيكون موضوع القرن الذي دخلناه ( القرن 21 ) وبخاصة في العالم العربي ، وستطرح العديد من الموضوعات حول هذه القضية الشائكة والتي تتطلب حالة من حالات الثورة التربوية والمعرفية بتغيير النظم والبرامج والسياقات الناظمة للعملية التربوية التقليدية ، واستحداث البرامج ونظم جديدة تتكيف مع ظروف واحتياجات اللحظة الراهنة وإرهاصات اللحظة المستقبلية القادمة

Admin
Admin

عدد المساهمات: 12
تاريخ التسجيل: 25/07/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://arabetudes.3oloum.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى